ابن تيميه

205

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

الترك التتار « 1 » حتى فعلوا بديار الإسلام ما فعلوه بالعراق وخراسان والجزيرة والشام ، وغير ذلك . وكذلك فعلوا بمصر والمغرب في دولة العبيديين . وإذا كان مثل هذا القول يقوله أهل البدع والضلال بل أهل الردة والنفاق ، كما يقوله الكفار في أهل الإيمان ، وقد يقوله المحقّ فيمن يستحقّه ، وأكثر من عرف أن يقوله في أهل العلم هم أهل البدع والنفاق والكفار . ولا ريب أن قول هذا المبتدع الجاهل هو بهم أشبه إذ هو من أهل البدع الجهال ، ليس هو ممن يعرف النظر والاستدلال . الوجه الرابع : أن يقال : علماء المسلمين وأئمة الدين ما زالوا يتنازعون في بعض المسائل فيبيح هذا من الفروج ما يحرّمه هذا ، كما يبيح كثير نكاح أم المزني بها وابنتها ، ولا يرون الزنا ينشر حرمة المصاهرة ، وهو قول الشافعي وغيره . وآخرون يحرّمون ذلك وهو مذهب أبي حنيفة ومالك ، وتنازعوا في الخلية والبرية والبائن والبتة ونحو ذلك من كنايات الطلاق الظاهرة ، فقوم يقولون هي واحدة رجعية كما قاله عمر بن الخطاب وغيره ، وهو قول الشافعي وغيره . وقوم يقولون هي ثلاث ؛ كما نقل عن عليّ ، وهو مذهب مالك وغيره . وقوم يقولون واحدة بائنة كما نقل عن ابن مسعود ، وهو مذهب أحمد . وأحمد كان يتوقّف في ذلك وترجّح عنده الثلاث ويكره أن يفتي به ، وإن نوى واحدة فهي رجعية عنده ، ولو نوى بائنة لم تكن إلا رجعية كقول الشافعي ، وروي عنه أنها تكون بائنة ، كقول أبي حنيفة . وكما تنازعوا فيما إذا خلعها بعد طلقتين فأباحها ابن عباس وطاوس وعكرمة وغيرهم ، وقالوا : الخلع ليس بطلاق ، واستدلّوا بالكتاب والسنة وهو أحد قولي الشافعي ، وظاهر مذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر وابن خزيمة وغيرهم من فقهاء الحديث ، وقيل : بل هي طلقة واحدة كما نقل عن عثمان وغيره من الصحابة ، لكن ضعّف أحمد وابن خزيمة وغيرهما كل ما نقل عن الصحابة إلا قول ابن عباس ، وهو قول كثير من التابعين ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي في القول الآخر . وتنازعوا فيما سوى ذلك ، وهم كلهم مجتهدون مصيبون بمعنى أنهم مطيعون للّه ، وأما بمعنى العلم بحكمه في نفس الأمر فالمصيب واحد وله أجران والآخر له

--> ( 1 ) « كما فعل عدوّ اللّه النصير الطوسي وابن العلقمي ، وكان من أعوانهما على هذه الجرائم ابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة ، الذي كان ينظم الشعر في تأليه سيدنا علي رضوان اللّه عليه ، ولو كان تحت حكم سيدنا علي لحكم بقتله . انظر « المنتقى من منهاج الاعتدال » ص 20 الذي اختصره الحافظ الذهبي من « منهاج السنة » لشيخ الإسلام » ( م ) .